أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

162

العقد الفريد

الحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين ، أمّا بعد ؛ فإنّ اللّه بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الثقلين كافة ، والناس في اختلاف ، والعرب بشرّ المنازل ، مستضيئون للثاءات « 1 » بعضهم على بعض ، فرأب اللّه به الثّأي ، ولأم به الصدع ، ورتق به الفتق ، وأمّن به السبل ، وحقن به الدماء ، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب ، والضغائن المخشنة للصدور ؛ ثم قبضه اللّه عز وجل مشكورا سعيه ، مرضيّا عمله ، مغفورا ذنبه ، كريما عند ربه نزله ؛ فيا لها مصيبة عمّت المسلمين ، وخصّت الأقربين ؛ وولى أبو بكر ، فسار بسيرة رضيها المسلمون ؛ ثم ولى عمر ، فسار بسيرة أبي بكر رضي اللّه عنهما ؛ ثم ولي عثمان ، فنال منكم ونلتم منه ، حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموه فقتلتموه ، ثم أتيتموني فقلتم لي : بايعنا ! فقلت لكم : لا أفعل ! وقبضت يدي فبسطتموها ، ونازعتم كفي فجذبتموها ، وقلتم : لا نرضى إلا بك ، ولا نجتمع إلا عليك ! وتداككتم « 2 » عليّ تداكك الإبل الهيم « 3 » على حياضها يوم ورودها ، حتى ظننت أنكم قاتلي ، وأن بعضكم قاتل بعض ؛ فبايعتموني ، وبايعني طلحة والزبير ، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة فسارا إلى البصرة فقتلا بها المسلمين وفعلا الأفاعيل ، وهما يعلمان واللّه أني لست بدون واحد ممن مضى ، ولو أشاء أن أقول لقلت ؛ اللهم إنهما قطعا قرابتي ، ونكثا بيعتي ، وألبا عليّ عدوّي ؛ اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا ! ومما حفظ عنه بالكوفة على المنبر : قال نافع بن كليب : دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه ، فإني لجالس تحت منبره ، وعليه عمامة سوداء ، وهو يقول : انظروا هذه الحكومة ، فمن دعا إليها فاقتلوه وإن كان تحت عمامتي هذه ! فقال له عدي بن حاتم : قلت لنا أمس : من أبى عنها فاقتلوه . وتقول لنا اليوم : من دعا إليها فاقتلوه ! واللّه ما ندري ما نصع بك ؟ وقام إليه رجل أحدب من أهل العراق فقال : أمرت بها أمس وتنهى عنها اليوم ، فأنت كما قال الأول : آكلك وأنا أعلم ما أنت . فقال علي : إلي يقال هذا .

--> ( 1 ) الثأي : الإفساد . ( 2 ) تداككتم : تزاحمتم . ( 3 ) الهيم : العطاش .